في بعض البيوت، يكبر الأطفال وهم يحملون على عاتقهم مسؤوليات تتجاوز أعمارهم، ليس فقط في المهام اليومية، بل أيضًا في حمل الأعباء العاطفية لذويهم، وخصوصًا أمهاتهم.
ربما تجد طفلًا يحاول تهدئة والدته عندما تكون حزينة، أو يتجنب إزعاجها حتى لا يثير قلقها، أو يشعر بأنه مسؤول عن إسعادها بأي شكل.
هذه الظاهرة، التي يُطلق عليها أحيانًا "التنشئة العكسية" أو "الأمومة المقلوبة"، تحدث عندما يصبح الطفل هو الداعم العاطفي لأحد والديه بدلًا من أن يكون المتلقي للدعم والاهتمام.
ولكن لماذا يحدث هذا؟ وما تأثيره على الأطفال عندما يكبرون؟ وهل هناك طريقة لكسر هذه الدائرة دون الشعور بالذنب؟
هناك عدة عوامل تؤدي إلى انتقال هذا الدور العاطفي من الأم إلى الطفل، ومنها:
بعض الأمهات، خاصة في حال غياب الأب أو انشغاله، قد يجدن في أطفالهن ملجأً عاطفيًا يعوّضهن عن غياب الشريك. في هذه الحالة، يصبح الطفل مستمعًا لهمومها، ومسؤولًا عن تخفيف معاناتها.
بعض الأمهات -دون وعي- يزرعن في أبنائهن الشعور بأن سعادتهن مرهونة بتصرفات الطفل. كأن تقول لطفلها: "سأكون سعيدة عندما تكون جيدًا"، أو "تصرفاتك تجعلني حزينة".
عندما يكبر الطفل في بيئة يسودها التوتر، مثل الطلاق، المشكلات المالية، أو فقدان أحد الوالدين، قد يشعر بالحاجة إلى حماية أمه عاطفيًا، حتى لو لم يُطلب منه ذلك مباشرة.
بعض الأمهات يشاركن أطفالهن في مشكلاتهن الخاصة، حتى تلك التي لا تتناسب مع سنهم، وهو ما يجعل الطفل يشعر بأنه مسؤول عن إيجاد الحلول أو تخفيف العبء عنها.
عندما يتحمل الطفل أعباءً عاطفية تفوق عمره، قد ينعكس ذلك على شخصيته وسلوكياته في المستقبل، ومن أبرز التأثيرات:
قد يكبر الطفل وهو يشعر بأنه مسؤول عن سعادة الآخرين، ما يجعله يضع احتياجات غيره قبل احتياجاته.
لأنه تعوّد أن يكون "القوي" الذي يدعم أمه، فقد يجد صعوبة في التعبير عن ضعفه أو طلب المساعدة عند الحاجة.
بعض الأطفال الذين نشؤوا في هذه البيئة يكبرون وهم يشعرون بأن انفصالهم عن الأم سيؤذيها، ما يجعلهم مترددين في اتخاذ قرارات استقلالية مثل السفر أو الزواج.
قد ينجذب هؤلاء الأطفال -عندما يكبرون- إلى شركاء يحتاجون إلى "إنقاذ"، لأنهم اعتادوا على لعب دور الداعم العاطفي في طفولتهم.
إذا كنتِ أمًا، أو شخصًا نشأ في بيئة كهذه، فهناك خطوات يمكن اتخاذها لاستعادة التوازن العاطفي:
الأم مسؤولة عن مشاعرها، والطفل ليس مكلفًا بحل مشكلاتها. من الضروري وضع حدود صحية للعلاقة العاطفية بين الأم وابنها.
السماح للطفل بأن يكون طفلًا، يعيش مرحلته العمرية دون تحميله مسؤوليات عاطفية لا تناسبه.
بدلاً من إشراك الطفل في الهموم العاطفية، يمكن اللجوء إلى أصدقاء أو مختصين نفسيين للحصول على الدعم.
يجب أن يشعر الطفل أن قيمته ليست في قدرته على إرضاء الآخرين، بل في ذاته وقدراته الفريدة.
العلاقة بين الأم وطفلها من أعمق الروابط الإنسانية، ولكنها يجب أن تكون علاقة قائمة على الحب والتوجيه، لا على الاعتماد العاطفي. حماية الطفل من تحمل مسؤوليات عاطفية مبكرة لا تعني التخلي عن الحنان، بل تعني منحه حقه في أن يكون طفلًا سعيدًا، بعيدًا عن الأدوار التي لم يُخلق لأجلها.