الأمومة ليست مجرد تجربة تُضيف مسؤوليات جديدة إلى الحياة، بل يمكن أن تكون رحلة شفاء غير متوقعة، تعيد تشكيل المشاعر وترمم جراح الماضي التي اعتقدنا أنها لن تلتئم أبدًا.
في لحظة احتضان طفلها للمرة الأولى، قد تجد الأم أن ذكريات الطفولة، بأفراحها وآلامها، تعود إلى السطح، لكنها هذه المرة تأتي بفرصة جديدة:
فرصة للمصالحة مع الذات، ولإعادة كتابة الماضي من خلال الحاضر الذي تصنعه مع طفلها.
يُقال إن الأطفال يعكسون ذواتنا الحقيقية، فهم يكشفون لنا مخاوفنا وأحلامنا الدفينة، ويجعلوننا نواجه أجزاءً من أنفسنا كنا نحاول تجاهلها.
عندما تبكي الأم على ألم طفلها، فهي أحيانًا تبكي على نفسها الصغيرة التي لم تجد من يواسيها.
وحين تسعى لمنحه بيئة آمنة ومليئة بالحب، فإنها تعيد بناء الطفولة التي ربما لم تحظَ بها بالطمأنينة نفسها.
الكثيرون ممن عانوا علاقات صعبة في طفولتهم قد يجدون في الأمومة مساحة جديدة لفهم الحب بعيدًا عن النماذج السابقة التي عرفوها.
يمنح الطفل والدته فرصة لتقديم ذلك الحب غير المشروط، لكنه أيضًا يعيد تعريفه لها، فيذكّرها بأن الحب لا يعني التضحية الكاملة، بل التوازن بين الرعاية والاعتناء بالنفس.
لا يمكن تغيير الماضي، لكن يمكن تغيير أثره. عندما تتعلم الأم كيف تكون صبورة مع طفلها، كيف تستمع له دون أن تحكم عليه، وكيف تحتضنه في لحظات ضعفه، فهي في الحقيقة تعلّم نفسها ما كانت تحتاجه يومًا.
هذه الرحلة قد تفتح باب المصالحة مع الأهل، أو على الأقل المصالحة مع الذكريات، فتدرك أن ما مرت به لم يكن نهاية القصة، بل مجرد فصل سابق منها.
من خلال تربية الأطفال، تتعلم الأمهات إعادة اكتشاف الحياة بنظرة جديدة. الأطفال لديهم قدرة مذهلة على اختبار الفرح في أبسط الأشياء، على التسامح السريع، وعلى الاستمتاع بالحاضر دون القلق المستمر من الماضي أو المستقبل.
حين تنظر الأم إلى عالم طفلها، قد تبدأ في تبنّي بعض هذه الصفات، فتعيد بناء ذاتها ليس فقط كأم، بل كإنسانة تتعلم كيف تحب الحياة مجددًا.
في نهاية المطاف، الأمومة ليست مجرد مسؤولية تلقى على عاتق المرأة، بل هي أيضًا فرصة لها لتعيد اكتشاف نفسها، لترمم الجروح القديمة دون أن تكررها، ولتصبح النسخة التي لطالما تمنّت أن تكونها. في كل لحظة حب تمنحها لطفلها، هناك جزء منها ينمو، يتعافى، ويزهر من جديد.