header-banner
علاج الصدمات

جذور الصدمات وشفاؤها.. طرق لاستعادة التوازن

تطوير الذات
إيمان بونقطة
4 مارس 2025,9:00 ص

لطالما كانت الصدمات النفسية جزءًا من التجربة الإنسانية، إذ تترك ندوبًا عميقة قد تستمر في التأثير على حياتنا لسنوات.

لكن رغم الألم الذي تحمله، يظل الشفاء ممكنًا، ليس فقط من خلال الأساليب العلاجية التقليدية، ولكن أيضًا عبر فهم أعمق لطبيعة النفس البشرية.

يشير بعض الباحثين إلى أن الصدمات النفسية لا تقتصر على مجرد تجارب مؤلمة، بل تمتد إلى كونها انقطاعًا داخليًا عن الذات العميقة، أو ما يُعرف بـجوهر الإنسان. 

فعندما يواجه الفرد الألم، يتشكل ما يشبه الجدار العازل داخل عقله، يحميه من الشعور بالضعف، لكنه في الوقت ذاته يفصله عن الإحساس الحقيقي بالأمان والطمأنينة.

هذه الحواجز النفسية تتجذر في أنماط تفكير غير واعية يتم تخزينها في الدماغ، وتؤثر على سلوكنا حتى بعد انتهاء الحدث الصادم بوقت طويل.

كيف تتشكل استجاباتنا الدفاعية؟

0cc9e277-bf65-46e2-bd3d-8a43ae6829ad

شاركت الباحثة ميشا جان في مقال نشرته في مجلة Psychology Today أنه عندما يمر الطفل بصدمة قاسية، مثل الإهمال العاطفي أو الانتقاد الدائم، يتخذ عقله إجراءات لحمايته من الألم.

بعض الأطفال ينسحبون إلى الداخل ويصبحون أكثر هدوءًا وخضوعًا، بينما يتجه آخرون إلى العدوانية للحصول على الانتباه.

هذه الآليات الدفاعية، رغم أنها تبدو كحلول قصيرة المدى، تتحول لاحقًا إلى أنماط سلوكية ثابتة تحد من قدرة الشخص على التفاعل بحرية مع الحياة.

يؤكد المتخصصون في علم الأعصاب أن هذه الاستجابات الدفاعية تُخزن في "شبكة الوضع الافتراضي" (DMN) في الدماغ، وهي المسؤولة عن أنماط التفكير التلقائي والمعتقدات الراسخة حول الذات والعالم.

ومع مرور الوقت، تصبح هذه الأفكار بمثابة سجن داخلي يمنعنا من اختبار مشاعرنا الحقيقية.

الطريق إلى التحرر: كيف نكسر قيود الصدمة؟

وحسب ميشا تشير الدراسات إلى أن تجاوز الصدمات لا يتطلب فقط معالجة الذكريات المؤلمة، بل يستلزم أيضًا تفكيك الحواجز التي بناها العقل لحماية نفسه.

ويمكن تحقيق ذلك عبر طرق متعددة، مثل التأمل، والعلاج النفسي، وتجارب الوعي المتغير التي تساعد على إرخاء التمسك بالذات المأزومة وإعادة الاتصال بالجانب الروحي العميق في الإنسان.

يذهب بعض الباحثين إلى أن التحرر الحقيقي من الصدمة لا يحدث بمجرد تحليل التجربة المؤلمة، وإنما عبر السماح للذات بالانفتاح على تجربة تتجاوز العقل الواعي، تجربة تتيح للفرد الشعور باتصاله بشيء أكبر من نفسه.

ويُعتقد أن هذه الحالة يمكن بلوغها من خلال التأمل العميق أو حتى من خلال استخدام بعض العلاجات التجريبية التي تعمل على تهدئة أنماط التفكير المكررة.

أخبار ذات صلة

كل ما تحتاجين معرفته عن اضطراب ما بعد الصدمة... أسبابه وطرق العلاج الفعالة

ما وراء العلاج التقليدي: استعادة البعد الروحي في الشفاء

توضح بعض النظريات الحديثة أن النهج العلاجي القائم على العلم وحده قد يكون محدودًا في فهم أعماق التجربة الإنسانية.

فالشفاء لا يقتصر على إعادة برمجة الدماغ، بل يتعلق أيضًا باستعادة الإحساس بالمعنى والانتماء.

في العديد من التقاليد الروحية، يُنظر إلى الألم على أنه فرصة للنمو، وطريقة للعودة إلى الذات الحقيقية. هذا المنظور يُشبه ما أشار إليه الفيلسوف جلال الدين الرومي حين قال: "الجُرح هو المكان الذي يدخل منه النور".

عند تأملنا في هذه الفكرة، نجد أنها تتوافق مع الكثير من أساليب العلاج الحديثة، التي تؤكد أهمية قبول الألم بدلاً من إنكاره أو محاربته.

فبدلاً من محاولة "التخلص" من الصدمة، يصبح الشفاء رحلة نحو فهم أعمق للذات وإعادة الاتصال بجوهر أكثر اتزانًا وطمأنينة.

 

وبالنهاية، قد يختلف العلماء والمعالجون حول أفضل الطرق للتعامل مع الصدمات، لكن هناك إجماعًا متزايدًا على أن الشفاء الحقيقي لا يحدث فقط على المستوى النفسي، بل يمتد إلى أبعاد أعمق من التجربة الإنسانية. سواء كان ذلك من خلال التأمل، أو العلاجات النفسية، أو استكشاف الأبعاد الروحية للحياة، فإن المفتاح يكمن في التحرر من القيود القديمة التي صنعتها الصدمة، وإعادة اكتشاف الذات بعيدًا عن أنماط التفكير الدفاعية.

فليس الهدف هو محو الألم، بل تحويله إلى جسر يقودنا نحو فهم أكثر اتساعًا لحياتنا وللوجود نفسه.

أخبار ذات صلة

اضطراب ما بعد الصدمة.. العلامات الأبرز وكيف يقود إلى الاكتئاب والانتحار؟

 

google-banner
footer-banner
foochia-logo