الحب شعور راقٍ يمنح العلاقات معناها العميق، لكنه قد يتحول أحيانًا إلى رغبة في التملك والسيطرة دون وعي، وهو ما يهدد التوازن العاطفي بين الطرفين.
فالتداخل بين الحب والتملك دقيق للغاية، وغالبًا ما يكون سببًا في تعقيد العلاقات وتحويلها من مساحة آمنة إلى بيئة مشحونة بالتوتر والضغط.
فكيف يمكن التمييز بين الحب الصحي والتملك؟ وما هي الحدود التي يجب احترامها للحفاظ على علاقة متزنة ومستدامة؟
الحب في أساسه يقوم على المشاعر النقية، والاهتمام الصادق، والاحترام المتبادل، بينما التملك ينبع من الرغبة في التحكم والسيطرة.
فالشخص الذي يحب بحق يسعى لسعادة شريكه، حتى وإن لم يكن ذلك في مصلحته الشخصية، أما الشخص الذي يمتلك، فيشعر أن الشريك جزء من ممتلكاته الخاصة، ويخشى فقدانه بشكل مبالغ فيه؛ ما يدفعه لممارسة سلوكيات تقيد حرية الآخر.
قد يظهر التملك في العلاقات العاطفية بأشكال عدة، مثل الغيرة المفرطة، والرغبة في معرفة كل تفاصيل حياة الشريك، ومحاولة التحكم في قراراته، أو عزله عن محيطه الاجتماعي.
ورغم أن هذه التصرفات قد تُفسَّر أحيانًا على أنها تعبير عن الحب، إلا أنها في الواقع تمثل مؤشرات على اضطراب التوازن العاطفي في العلاقة.
التملك العاطفي لا يأتي من فراغ، بل غالبًا ما يكون نابعًا من مخاوف دفينة أو تجارب سابقة. ومن أهم الأسباب التي قد تدفع أحد الأطراف إلى تبني هذا النمط من السلوكيات:
بعض الأشخاص الذين مروا بتجارب فقدان أو هجران مؤلمة يطورون خوفًا شديدًا من تكرار التجربة، فيحاولون السيطرة على الطرف الآخر لضمان بقائه.
حينما يفتقر الشخص إلى الثقة بذاته، قد يشعر بعدم الأمان في العلاقة، وهو ما يدفعه لمحاولة تقييد شريكه ظنًا منه أن ذلك سيحافظ عليه.
النشأة في بيئة عائلية غير مستقرة، أو التعرض لتجربة حب مشروطة في الصغر، قد يؤدي إلى تشكيل أنماط ارتباط غير صحية في العلاقات المستقبلية.
في بعض الثقافات أو المفاهيم الشائعة، يُنظر إلى الغيرة المفرطة أو التحكم على أنهما دليل على الحب العميق؛ ما يجعل بعض الأشخاص يمارسون هذه السلوكيات دون إدراك أنها قد تدمر العلاقة.
لضمان علاقة متزنة مبنية على الاحترام والود، من المهم اتباع مجموعة من الأسس التي تعزز الحب دون أن يتحول إلى تملك:
يجب أن تكون العلاقة قائمة على الثقة، لا على الشك والريبة. فكلما زادت الثقة بين الطرفين، قلّت الحاجة إلى التحكم والمراقبة.
من الضروري أن يمتلك كل شخص في العلاقة حياته الخاصة، سواء من خلال صداقاته، أو اهتماماته، أو حتى لحظاته الخاصة بعيدًا عن الطرف الآخر.
حل أي مخاوف أو هواجس عبر الحوار المفتوح والصادق، بدلًا من اللجوء إلى التحكم أو التضييق.
عند الشعور بالغيرة أو الخوف من الفقدان، يجب الاعتراف بهذه المشاعر وتحليل أسبابها بدلًا من إسقاطها على الشريك من خلال سلوكيات متملكة.
الحب لا يعني الذوبان التام في الآخر، بل يجب أن يحتفظ كل طرف بشخصيته وهويته المستقلة، حتى لا تتحول العلاقة إلى عبء نفسي بدلًا من كونها مصدرًا للسعادة.
من الجيد بين الحين والآخر مراجعة العلاقة والتأكد من أنها تسير في مسار صحي، دون أن يكون أحد الأطراف في موقع السيطرة أو التبعية.
قد تتطور بعض حالات التملك إلى سلوكيات سامة قد تؤثر على الصحة النفسية للطرف الآخر، مثل المراقبة المستمرة، ومحاولات العزل الاجتماعي، والتلاعب العاطفي، أو حتى فرض قيود على قرارات الشريك. إذا وجدت نفسك أو شريكك يتبنى هذه السلوكيات، فمن الضروري إعادة تقييم العلاقة وربما طلب المساعدة المتخصصة من مستشار علاقات أو معالج نفسي.
الحب الحقيقي يعني أن تمنح من تحب الحرية والثقة، لا أن تقيده بالخوف والشكوك. العلاقة الصحية هي التي يشعر فيها الطرفان بالأمان والراحة، دون أن يضطر أحدهما للتنازل عن استقلاليته أو حريته. التوازن بين الحب والحرية هو مفتاح نجاح أي علاقة، وهو ما يجعلها ممتعة ومستدامة على المدى الطويل.