في عالم الابتكار، قد يبدو أن لكل فكرة جديدة مصدرًا واحدًا ومبدعًا واحدًا يقف وراءها.
لكن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا، إذ تبرز ظاهرة مثيرة للاهتمام تشير إلى أن البشر يبدعون في وقت واحد وبطرق متوازية.
وهذه الظاهرة، التي تعد انعكاسًا للقدرة البشرية المشتركة على التفكير وحل المشكلات، تتجلى في العديد من الاكتشافات العلمية والفنية عبر التاريخ، وهي تطرح تساؤلات حول طبيعة الإبداع والذكاء الجماعي للبشرية.
على مر العصور، ظهرت العديد من الاكتشافات التي تمت بشكل متزامن من قبل علماء ومفكرين مختلفين في أماكن مختلفة.
وواحدة من أشهر هذه الحالات كانت في القرن السابع عشر مع اختراع التفاضل والتكامل.
فقد طور إسحاق نيوتن في إنجلترا وغوتفريد لايبنيز في ألمانيا هذا الفرع من الرياضيات بشكل مستقل، رغم أن التاريخ شهد نزاعات حول أسبقية الاختراع.
ورغم اختلاف أسلوبهم، فإن كلًا منهما قد أسهم في تأسيس الفيزياء الحديثة والهندسة، ليؤكد على أن الابتكار ليس محصورًا في فرد واحد، بل هو نتيجة لجهود جماعية تُحفزها ظروف مشتركة.
وفي القرن الثامن عشر، اكتشف كل من كارل فيلهلم شيليه وجوزيف بريستلي الأوكسجين بشكل مستقل، ليُحدثا ثورة في علم الكيمياء.
وعلى الرغم من أن التجارب التي أجراها كل منهما كانت مستقلة، فإن اكتشافهم لأهمية الأوكسجين أسهم في تغيير فهمنا للكيمياء، وهو ما أسهم أيضًا في تأسيس مبادئ التفاعل الكيميائي والحفاظ على الكتلة.
وبالانتقال إلى القرن التاسع عشر، نجد أن نظرية التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي لم تكن محصورة في أعمال تشارلز داروين فقط، بل شاركه فيها ألفريد راسل والاس، الذي عرض نظرية مشابهة في الوقت نفسه.
وهذا الاكتشاف، الذي أصبح ركيزة لفهم التنوع البيولوجي، هو مثال آخر على كيفية تقاطع العقول البشرية في محاولات حل المشكلات نفسها.
ومع تقدم القرن العشرين، شهدنا اكتشاف الانشطار النووي الذي تم من قبل لزيه مايتر وأوتو هان في ألمانيا، إضافة إلى إنريكو فيرمي في الولايات المتحدة. ورغم أن كل فريق قد عمل بشكل مستقل، فإن نتائجهم أدت إلى تغييرات جذرية في إنتاج الطاقة والطب والسياسة العالمية.
أما في القرن الواحد والعشرين، فإن اكتشاف تقنية الـ CRISPR-Cas9 لقص وتعديل الجينات قد شهدت تطويرًا متوازيًا من قبل جينيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه في الولايات المتحدة، وفينغ تشانغ في الصين. هذه التقنية، التي تُعتبر واحدة من أبرز الاختراعات العلمية في العصر الحديث، توفر إمكانية تعديل الجينات بدقة عالية؛ ما يُمكن من معالجة الأمراض الوراثية وتطوير الزراعة والهندسة البيولوجية.
ومع ذلك فإن الابتكار المشترك لا يقتصر فقط على مجال العلوم، فقد ظهرت العديد من الأعمال الفنية التي تُظهر الظاهرة نفسها. على سبيل المثال، في العام 1998، تم عرض فيلمين عن اصطدام الكويكبات بالأرض: "ديب إمباكت" و"آرماجدون"، وهما فيلمين تم إنتاجهما بشكل مستقل، ولكن في الوقت نفسه تقريبًا.
وهذا التزامن يعكس الفضول الجماعي للبشرية تجاه التهديدات الوجودية والتخيلات المتعلقة بكيفية التغلب عليها.
ويمكننا أن نرى أن الإبداع ليس بالضرورة نتاجًا لفرد واحد، بل هو نتاج جماعي يعكس الأفكار والمشاعر المشتركة بين البشر في فترات زمنية متقاربة.
وتتجسد هذه الظاهرة في مفهوم "الذكاء الجماعي" الذي يطرحه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، إذ يشير إلى أن البشر يتشاركون في "عقل جماعي" يمكنه التأثير في مجالات متنوعة من الحياة، سواء كانت علمية أو فنية.